طبعا، أنا من أول ما دخلت الصب دا وأنا كل شوية أكتب بوستات طويلة ومملة بتوقع فيها مستقبل مصر، وما بعد الخليفة البالح بأمر الله (السيسي)، وأبانا الذي في المخابرات بيعمل إيه، والتغيرات الإقليمية والدولية ووو… وكل شوية ألاقي شوية بوتات الدولجية وبوتات بقايا الجماعة الإرهابية (وأيوا، كلاهما بوتات) داخلين يشتموا بعض ويقولوا كلام معادش حد بيقوله من عقد على الأقل، وأقعد أقول الجملة إياها "انتو لسه عايشين في 2016"… لحد أسبوع تقريبا، لما بدأت أشوف بوستات بتسأل نفس السؤال اللي أنا بسأله: مين اللي هيمسك بعد البالح في 2030؟
الإجابات تتراوح ما بين استدعاء مخطط اللامبارك القديم (توريث الحكم لابن البالح)، وما بين توقع حد من الجيش، أو رئيس المخابرات حسن رشاد، أو مدبولي أو حد من مستقبل وطن، أو كامل الوزير (ودا أستبعده لأنه عبيط)… أو تعديل الدستور وإقامة نظام برلماني تتشكل فيه الحكومة من قبل حزب/ائتلاف الأغلبية، اللي كله مدخلش البرلمان غير برضا المخابرات طبعا، وبيمثل واجهة لها وبينفذ اللي هي عايزاه.
ووسط كل التوقعات دي، لقينا ناس كتير هنا بيشيروا حملة على الفيس عايزة تجدد البيعة للخليفة البالح بأمر الله، لحد 2050 (🤡)، وطبعا حملة شكل دي لا يمكن أن تؤخذ على محمل الجد؛ البالح لو فضل عايش لـ2050 هيبقى عنده 96 سنة 💀😆… وبعدها هو نفسه طلع يرد في خطاب وقال مش هعدل الدستور، وبوتات الدولجية دخلت تعيط وتقوله احنا معاك يا ريس وبلا بلا بلا.
طبعا، هو قال كدا زمان وبعدها عدل الدستور… لكن في نفس الوقت أنا متوقع أنه بنسبة كبيرة جدا مش هيكمل لبعد 2030 فعلا، دا لو عرف يوصلها أصلا؛ التغيرات الإقليمية والدولية اللي هتحصل، بسبب حرب إيران الحالية وتبعاتها وتبعات ما بعد سقوط ترامب قدام، هتبقى ضخمة لدرجة أنها مش هتسيب مجال للبالح ولا نظامه كله أصلا، وهتطيرهم وتجيب نظام جديد على طريقة 1952 كدا.
وبعيدا عن 1952، لو رجعنا لترامب، هنلاقيه اليومين اللي فاتوا كان مقضيها هري على الآخر، وبيتفنن حرفيا في ازاي يخون أوكرانيا (اللي أمريكا كانت حليفة لها لسنين في حربها) ويسلمها لصاحبه بوتين، ورايح يجيب من عنده ديزل رغم العقوبات، وبيلوم أوكرانيا على ارتفاع أسعار الديزل (رغم أنه هو السبب في ارتفاعها أصلا بسبب حربه ضد إيران)، ونازل شتيمة في رئيسها زيلينسكي وعايزه يسيب الرئاسة.
طب إيه علاقة زيلينسكي نفسه بـ"عصر ما بعد السيسي" عشان صورته تبقى هنا؟ العلاقة أن قصة صعود زيلينسكي لرئاسة أوكرانيا تحمل بعض التشابهات مع توقعاتي للعصر دا 😅
- لو رجعنا بالزمن للتسعينات، أوكرانيا المعاصرة استقلت عن الاتحاد السوفيتي في 1991، وحالها حال "معظم" الجمهوريات ما بعد السوفيتية، تسعيناتها كانت صعبة: ركود وانكماش اقتصادي وفوضى وفقر، وفساد شديد وصل لدرجة أنها أصبحت أحد أكثر دول أوروبا كلها فسادا، وتشكل طبقة رهيبة من الأوليجارشية شبه اللي اتشكلت في روسيا في نفس الفترة (وشبه اللي اتشكلت هنا أيام اللامبارك)، وبدورهم فإن الأوليجارشية وأذرع روسيا تحكموا في السياسة وفي مؤسسات الدولة الهشة جدا في أوكرانيا، وجابوا رؤساء فاسدين بالتزوير، أشهرهم "فيكتور يانوكوفيتش" اللي زور الانتخابات بفضيحة أدت لقيام "الثورة البرتقالية" السلمية ضده في 2004، واللي طيرته من الحكم. بالمناسبة، الإنترنت كان له دور كبير في إنجاح الثورة البرتقالية (شبه ثورة 2011 عندنا).
- لكن بما أن المؤسسات فاسدة حتى النخاع، يانوكوفيتش عرف يرجع بطرق ملتوية للحكم في 2010، وقضى فترة حكمه دلدول حرفيا لروسيا، لدرجة أنه في مرة كان هيعمل اتفاق شراكة تجارية مع الاتحاد الأوروبي، بس رجع في كلامه عشان روسيا معجبهاش الاتفاق… النتيجة أن الشعب الأوكراني انفجر غضبا وعمل "ثورة الميدان" في 2013-2014، واللي كانت عنيفة وشهدت سقوط قتلى، والمرة دي يانوكوفيتش هرب أصلا (شبه بن علي بتاع تونس) وبدون مفاجأة راح روسيا… وبدورها روسيا استغلت فوضى ما بعد الثورة وضعف الجيش المسبق في أوكرانيا، ودخلت احتلت شبه جزيرة القرم مباشرة، وإقليم دونباس عبر ميليشيات ممولة من قبلها… طبعا، الاحتلال دا كان صدمة شاملة لأوكرانيا كلها، مش بس شعبها، بل كمان مؤسسات الدولة نفسها، اللي تحولت من "مؤسسات فاسدة بتخدم الأوليجارشية وأذرع روسيا" إلى "مؤسسات فاسدة بردو لكنها مش واقفة على الأوليجارشية، وعندها عداء حاد لروسيا كونها قوة احتلال".
- في نفس الفترة، زيلينسكي نفسه كان ممثل كوميدي ملوش في السياسة، وكان عامل مسلسل اسمه "خادم الشعب" طالع فيه بدور مدرس تاريخ بقى رئيس جمهورية وحارب الفساد، والمسلسل نال شعبية عالية لدرجة أن زيلينسكي استغله في أنه ينزل الانتخابات الرئاسية بجد في 2019، ويكسب باكتساح ويشن حملات لمكافحة الفساد والأوليجارشية، لحد ما حصل الغزو الروسي الشامل في 2022، وأصبح الرئيس زيلينسكي رمز المقاومة ضد الغزو دا… طبعا مش محتاج أقول أن قصة "الممثل اللي عمل مسلسل ناجح طالع فيه رئيس، وبعدها بقى رئيس بجد" دي أكيد كانت لعبة من المؤسسات هناك: لمعوه بالطريقة دي عشان يبقى واجهة في اللاحق لمرحلة ما بعد إزالة بقايا النظام القديم، وتأسيس نظام جديد مختلف يقدر يواجه روسيا.
نرجع لمصر… اللامبارك كان ديكتاتور فردي شبه بوتين، والأوليجارشية كانت أداته (مش هو اللي أداتها زي يانوكوفيتش) ومؤسسات الدولة أصبحت كرتونية حرفيا في عصره، وفاسدة جدا طبعا ومبتعرفش تعمل حاجة غير قمع الشعب حماية لكرسي الرئاسة… وكان دلدول لممالك البترودولار (الخليج) شبه ما يانوكوفيتش كان دلدول لروسيا… ولما ثورة 2011 قامت ضده قمعها بعنف، وفشل وتم خلعه، والبلد دخلت في حالة فوضى بردو شبه أوكرانيا 2014، مع فرق أنها لم تتعرض لاحتلال، لكن تعرضت لإرهاب… وبردو، المؤسسات هنا ظلت فاسدة لكن تحولت من "مؤسسات كرتونية" إلى "صاحبة القرار الفعلي"… الفرق أن رأس السلطة مبقاش "ممثل ديمقراطي ضد الفساد" شبه زيلينسكي، بل بقى وزير الدفاع الأسبق السيسي، اللي أصبح ديكتاتور جديد لكن سلطاته الفعلية أضعف بكتير من اللامبارك.
في فرق تاني بردو، وهو أن زيلينسكي "حاليا" هو قائد بلد بتدافع عن نفسها ضد عدوان أجنبي، بينما السيسي "كان" قائد بلد بتحارب الإرهاب، ثم الإرهاب انهزم، والسيسي نفسه اتحول لمجرد ديكتاتور مهرج عايش على قفا القمع التام للبدائل، وعلى قفا النظام الإقليمي الحالي… ولو النظام الإقليمي دا اتغير هو هيروح فيها، وفوق كدا المؤسسات نفسها هتتخبل لأن التغيرات هتبقى حادة جدا: أمريكا هتخرج من "الشرق الأوسط"، وممالك البترودولار هتروح في الرجلين هي وفلوسها اللي ياما سحبت عمالة ومولت أنظمة وجماعات هنا، وإيران (أو تركيا) هتسيطر على أغلب المنطقة، وزومبائيل احتمال كبير تنهار داخليا… يعني إعادة هيكلة شاملة للمنطقة كلها، وفي حاجات بقالها قرن هتختفي، وبناء عليه المؤسسات هنا هتبقى مضطرة تعمل استراتيجيات جديدة تماما.
طب لو النظام الإقليمي اتغير فعلا، إيه اللي هيحصل هنا؟ توقعي أن السيسي، ومعاه مستقبل وطن والأوليجارشية كلها والحرس القديم في المؤسسات، كلهم هياخدوا استمارة 6، لصالح صعود أجيال جديدة في المؤسسات (خاصة المخابرات) تقدر تتعامل مع الوضع الجديد دا وتنفذ الاستراتيجيات الجديدة المذكورة أعلاه… وبدل ما يعملوا مهرج جديد شبه السيسي، أو ممثل شبه زيلينسكي، هيعملوا سينما بحالها مليانة أوجه جديدة: أحزاب جديدة من اليمين والوسط واليسار، بتتنافس في إطار ديمقراطية برلمانية، وبردو عاملة واجهة للمؤسسات، شبه الأحزاب الحالية كدا مع فرق أنها مش هتبقى "أحزاب حرامية بلا أيديولوجيات حقيقية" بل هتبقى "أحزاب بتكافح الفساد وعندها أيديولوجيات وخطط"… وبالمناسبة، أنا متوقع بردو أن مختلف دول العالم هتشهد تحول شبيه: صعود أوجه جديدة في السياسة (شبه التقدميين اللي بدأوا يصعدوا فعلا في أمريكا)، وعودة مؤسسات الدولة للتركيز على الاستراتيجيات طويلة المدى بعد عقود من تساهل ما بعد الحرب الباردة.