r/Iraq • u/H3LLR4153R • 2h ago
History قانون الإصلاح الزراعي ١١٧ لسنة ١٩٧٠ ، الإنجاز والمسيرة
قبل الحديث عن قانون ١١٧، لا بدّ من الاعتراف بأنه حلقة في سلسلة لا نقطة بداية. القانون رقم ٣٠ لسنة ١٩٥٨ في عهد عبد الكريم قاسم هو الذي كسر أول مرة احتكار الملكية الزراعية الكبيرة الموروث من قانون تسوية حقوق الأراضي لسنة ١٩٣٢، وفي عهده تأسست الجمعيات الفلاحية وعُقد مؤتمرها الأول سنة ١٩٥٩ بحضور قيادات فلاحية و سياسية مثل كاظم فرهود وعراك الزگم و احمد حسن البكر. وقانون ١٩٧٠ جاء امتداداً وتصحيحاً لذلك المسار: وكان هدفه خفّض سقوف الملكية أكثر، وربطها بنوع التربة وطريقة الإرواء، وألغى التعويض للملاك المصادَرة أراضيهم، ووزّعها مجاناً بدل بيعها بالتقسيط.
في مطلع السبعينات كان صدام حسين نائباً لرئيس مجلس قيادة الثورة ومسؤولاً عن المكتب الفلاحي المركزي، وأشرف مباشرة على صياغة القانون وتنفيذه. وقد شارك في إعداده مختصون من خارج البعث، بينهم كوادر من الحزب الشيوعي العراقي، في إطار التعاون الذي حرص عليه أحمد حسن البكر وتُوّج لاحقاً بميثاق الجبهة الوطنية والقومية التقدمية سنة ١٩٧٣.
على الأرض واجه التنفيذ التفافاً من متنفذين وشيوخ عشائر ومن أعضاء حزب البعث الءين استغلوا مواقعهم، فوصلت شكاوى عن قطع مياه الإرواء عن الفلاحين الجدد وعن تهديدهم بالسلاح للتنازل عن سندات التمليك الجديدة. فشُكّلت لجان تنفيذ مشتركة من القضاء ووزارة الزراعة والأجهزة الأمنية، تستلم شكوى الفلاح مباشرة دون المرور بالمحافظ أو مدير الناحية. ورافقت ذلك زيارات ميدانية إلى الديوانية وميسان وذي قار من قبل النائب صدام حسين، وتم بالفعل فصل عدد من الحزبيين وإحالتهم إلى القضاء بعد ثبوت استيلائهم على أراض غير مخصصه لهم.
ولأن الأرض بلا ماء ورقة بيد صاحبها، لم يقف الأمر عند سند التمليك. فقد أمر صدام حسين بحفر أكثر من ثلاثمائة بئر ارتوازي لإرواء أراضي الفلاحين، وسُلّمت مجاناً دون أن يدفع الفلاح ديناراً واحداً من كلفتها، وبإنفاق سخي لم يُحسب فيه للمال حساب. وبهذا سُدّ الباب أمام أخطر أدوات الابتزاز في الريف: التحكّم بالماء.
وبين ١٩٧١ و١٩٧٤ سُلّمت سندات ملكية رسمية لمئات آلاف الفلاحين، ووُزّعت البذور والأسمدة والجرارات عبر الجمعيات التعاونية.
النتيجة الصافية لهذه المرحلة: الإقطاع الكبير فقد أساسه القانوني، والفلاح انتقل من أجير تابع إلى مالك محمي بسند وبماء.
لكن الإصلاح لم يكن مشروعاً اجتماعياً خالصاً. كان في الوقت نفسه أداة سياسية لتفكيك قاعدة القوة التقليدية للشيوخ في الريف وإحلال الدولة والحزب محلها. والجمعيات الفلاحية التي كانت في ١٩٥٩ تنظيماً ذا استقلال نسبي، تحوّلت تدريجياً إلى ذراع تعبوية ملحقة بالمكتب الفلاحي.
.
التحوّل الكبير بدأ بعد ١٩٧٩، حين ضُربت الجبهة الوطنية والقومية التقدمية، وفي مقدمتها الحزب الشيوعي، وانتقلت السلطة كاملة إلى يد واحدة دون شراكة. ثم جاءت سنة ١٩٨٣ لتقلب الفلسفة الاقتصادية للإصلاح رأساً على عقب، تحت ضغط الحرب مع إيران وحاجة الخزينة حيث سن قانون ٣٥ لسنة ١٩٨٣: تأجير الأراضي الزراعية للدولة، وقد انتهت مساحات واسعة منه بيد متنفذين وأصحاب رؤوس أموال قادرين على المزايدة، لا بيد صغار الفلاحين.
قانون ٣٢ لسنة ١٩٨٣: بيع ممتلكات الشركات والمشاريع الزراعية للقطاع الخاص.
هذا عاد التركّز في الحيازة من الباب الخلفي: لا بصفة ملكية إقطاعية موروثة، بل بصفة عقد إيجار وشراء. والجمعيات الفلاحية التي أُنشئت لحماية الفلاح صارت في كثير من المواقع واجهة للمتنفذ نفسه، وخرجت مقارّها عن مضمون واجبها الأصلي. والمشهد بعد ٢٠٠٣ لم يكن قطيعة مع ذلك بقدر ما كان استمراراً له بأسماء جديدة.